
"يقال إن أربعة أشياء إذا اجتمعت في أمة فلا محالة هالكة: فقر مدقع ينهش عامة الشعب، وثراء فاحش للخاصة، وقوة غاشمة مهمتها الوحيدة حراسة هذه الفوارق، وإعلام دجال يقلب الحقائق ليصنع من اللصوص شرفاء."
حين تُقرأ هذه الكلمات الحكيمة على وقع تفاصيل المشهد اليومي في موريتانيا، يبدو الأمر أشبه بقراءة تشخيصية دقيقة لمرض اجتماعي مزمن. إن التقاطع بين الأركان الأربعة التي حددها العراقي مهدي جاسم "وبين الواقع المعاش في البلاد يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مصير السلم الأهلي والعدالة الاجتماعية.
1. فقر مدقع ينهش عامة الشعب
تعكس الأحياء العشوائية في أطراف العواض (نواكشوط، نواذيبو) وجفاف الأرياف واقعاً مراً تعيشه الأغلبية الساحقة من المواطنين. يتزامن هذا الفقر مع تراجع القدرة الشرائية وانهيار الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصحة وتعليم، لتتحول الحياة اليومية إلى معركة بقاء مستمرة لأسر بأكملها تبحث عن قوت يومها وسط غلاء ألهب الكواهل.
2. ثراء فاحش للخاصة
في المقابل، تتشكل في العاصمة طبقة طفيلية جديدة راكمت أموالاً طائلة بطرق مشبوهة قائمة على الصفقات العمومية المشبوهة، واستغلال النفوذ، ونهب الثروات الطبيعية (من ذهب ومعادن وأسماك). هو ثراء فاحش وبرّاق يتناقض صارخاً مع بؤس الشارع، ليخلق فجوة طبقية عميقة تهدد تماسك النسيج الوطني والمجتمعي.
3. قوة غاشمة لحراسة الفوارق
عندما يرتفع صوت الاحتجاج الشعبي مطالبًا بحق مشروع في الخدمات أو الشغل، أو حين ينتفض الشباب ضد الظلم والتهميش، تتدخل الأجهزة الأمنية لفرض الاستقرار بالقوة. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة؛ إذ تصبح أدوات الدولة وقوتها المسخرة أصلاً لحماية المواطن، درعاً لحماية مصالح الأقلية الثرية وحراسة هذه الفوارق الطبقية المقيتة بدل أن تكون في خدمة العدالة.
4. إعلام دجال يقلب الحقائق
يكتمل المشهد المأساوي بوجود آلة إعلامية مأجورة، تبرر الفساد وتزين وجه المفسدين، وتتاجر بالكلمات لتحويل لصوص المال العام وناهبي ثروات الشعب إلى "رموز وطنية" و"شرفاء"، بينما تُخنق الأصوات الحرة الصادقة التي تفضح الخلل أو تطالب بحق الإنسان الموريتاني في العيش الكريم.
خلاصة: إن اجتماع هذه الأركان الأربعة في أي أمة هو نذير خطر حقيقي. وموريتانيا، بما تملكه من طاقات وشباب حيّ وثروات هائلة، تقف اليوم على مفترق طرق؛ فإما إصلاح جريء يردم هذه الهوة ويحقق العدالة الاجتماعية، أو الاستمرار في طريق الإنكار الذي تقوده شعارات زائفة، ما لم يتدارك الواعون الموقف قبل فوات الأوان




