تقرير| اطويلة.. الشاهد الصامت على عقد كامل من الحكم في موريتانيا الرصاصة التي لم تمت والمزرعة التي كشفت إمبراطورية فساد./ الياس محمد

خميس, 23/07/2026 - 16:41

هنا.. على بعد 30 كيلومترا شمال العاصمة الموريتانية نواكشوط، حيث تلتقي الرمال باللا شيء، تقع "اطويلة".

ليست قرية، ولا مدينة. كانت في الأصل استراحة ريفية متواضعة، ثم تحولت إلى أكثر الأماكن غموضا في تاريخ موريتانيا الحديث.

منها خرجت رصاصة هزت نظام الحكم، وفيها بُنيت إمبراطورية مالية كانت أحد أهم أدلة إدانة رئيس موريتانيا السابق محمد ولد عبد العزيز بـ 15 عاما سجنا بتهمة الفساد والإثراء غير المشروع.

ما قصة اطويلة؟ وهل كانت مجرد مزرعة؟

1- الليلة التي غيّرت كل شيء: 13 أكتوبر 2012

مساء السبت، يعود موكب الرئيس محمد ولد عبد العزيز من إجازته الأسبوعية في اطويلة.

فجأة، يُعلن التلفزيون الرسمي أن الرئيس أصيب بطلق ناري طفيف.

الرواية الرسمية كانت سريعة وحاسمة: نقطة عسكرية تؤمن العاصمة من الجهة الشمالية لم تتعرف على موكب الرئيس، فأطلق جندي النار عن طريق الخطأ. الجندي اعترف بخطئه، والرئيس بصحة جيدة.

لكن الشارع الموريتاني لم يصدق. تساؤلات الجزيرة نت حينها لخصت المشهد: "ما زالت الحيرة والغموض تلف ظروف وملابسات عملية إطلاق النار".

لماذا كان الرئيس وحيدا بسيارة غير مصفحة؟ لماذا نُقل فورا إلى باريس لأسابيع في حين قيل إن الإصابة طفيفة؟ ولماذا سُميت بـ "الرصاصة الصديقة"؟

 

ظلت الرواية الرسمية صامدة لسنوات، حتى انفجر الملف من جديد في 2017.

2- الشاهد الذي قلب الطاولة

في قاعة محكمة نواكشوط الغربية، يقف جندي سابق يدعى محمد ولد محمد امبارك، ويقدم رواية مغايرة تماما، بدعم من السيناتور المعارض محمد ولد غده.

الرواية الجديدة تقول إن حادثة اطويلة لم تكن خطأ عسكريا، بل حادثا داخل محيط الرئيس نفسه.

ولأول مرة في تاريخ القضية، استدعت المحكمة مطلق النار نفسه، الضابط الحاج ولد احمود ولد أحيمد، الذي تمسك بروايته الرسمية وقال إن ما يدلي به يمثل "الحقيقة".

شاهد الادعاء الجديد تراجع لاحقا وقال إنه "قدم رواية كاذبة بسبب الحاجة الماسة للمال"، لكن السؤال بقي معلقا في الذاكرة السياسية الموريتانية: ماذا حدث حقا في اطويلة؟

وظل سائق الرئيس السابق صامتا حتى 2019، حين قرر لأول مرة الخروج عن صمته والحديث بصورة كاملة عن روايته لقصة رصاصة اطويلة، رواية لم تنشر كاملة حتى اليوم.

3- من مكان الرصاصة إلى رمز الفساد

بعد 2012، لم تعد اطويلة مجرد مكان للحادثة. تحولت إلى مشروع ضخم.

بينما كان تصريح الرئيس بممتلكاته في 2010 يتحدث عن هكتارين عند الكلم 24 على طريق بوتلميت و 75 هكتارا في انتيكان ومستودع للحيوانات مساحته 100 هكتار، كشف قطب التحقيق في الجرائم الاقتصادية لاحقا عن صورة أخرى.

في أمر الإحالة في ملف فساد العشرية، تحدث المحققون عن ثروة هائلة: جرد لممتلكات الرئيس وأسرته بلغ قرابة 30 مليار أوقية قديمة، و 17 منزلا، و 468 قطعة أرضية، ومليارات في الحسابات.

وكانت اطويلة القلب النابض لهذا التمدد. تضخمت من استراحة إلى مزرعة نموذجية بآلاف الهكتارات، بتمويل اعتبره الادعاء من "أموال وممتلكات منقولة وعقارية جرى تحصيلها وجمعها بشكل غير مشروع".

 

جمدت السلطات في إطار القضية 41 مليار أوقية، أكثر من 100 مليون دولار، أكثر من نصفها من ممتلكات ولد عبد العزيز وعائلته.

وتم إصدار قرار بتجميد ممتلكات الرئيس السابق و12 متهما آخرين ضمن تحقيقات فساد العشرية.

4-: مصادرة الإمبراطورية

في نوفمبر 2025، أسدلت المحكمة العليا الستار. حكم نهائي وبات: 15 عاما سجنا نافذا، ومصادرة الأموال المتحصل عليها عن طريق الإثراء غير المشروع، وإلزامه بتعويض الخزينة 500 مليون أوقية، وحل هيئة الرحمة الخيرية التي يديرها نجله ومصادرة ممتلكاتها.

هكذا، انتهت قصة الرجل الذي حكم موريتانيا بين 2008 و2019، من رصاصة في اطويلة إلى حكم بالسجن بسبب ما بُني في اطويلة.

المزرعة التي بدأت كواحة نخيل صغيرة في إقرار الذمة، أصبحت اليوم دليلا قضائيا.

هل كانت اطويلة محاولة اغتيال فاشلة؟ أم كانت مسرحا لخلاف داخلي تم التستر عليه؟ وهل كانت مشروعا زراعيا وطنيا أم واجهة لغسل أموال العشرية؟

الوثائق تقول شيئا، والشهود يقولون شيئا آخر، لكن المؤكد أن اطويلة لم تعد مجرد نقطة على خريطة الصحراء. إنها الشاهد الصامت على عقد كامل من الحكم في موريتانيا.