ما وراء الإحصاء.. قراءة في منجز الغزواني

جمعة, 19/06/2026 - 13:00

خمسة ملايين ومئة ألف مواطن مسجل في السجل المدني الموريتاني — هذا الرقم الذي أعلنه وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين أمام البرلمان اليوم، هو شاهد على تحوّل عميق في علاقة الدولة الموريتانية بمواطنيها.

حين تسلّم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني السلطة، كان السجل المدني لا يتجاوز 3.4 مليون مواطن. واليوم، وبعد سنوات من العمل المنهجي، قفز هذا الرقم بأكثر من 1.7 مليون مواطن إضافي — أي أن ما عجزت عنه عقود كاملة من الجهود المتقطعة، أنجزه مسار واحد ممنهج خلال فترة رئاسية واحدة.

الأمر لا يتعلق بأرقام فحسب. يتعلق بتفكيك أزمة بنيوية ضربت بجذورها في ثقافة المواطن قبل أن تضرب في مؤسسات الدولة. فلسنوات طويلة، كانت وثيقة الهوية في الوعي الجمعي الموريتاني مجرد أداة ظرفية: تُستخرج لامتحان، وتُحفظ في الدرج لسنوات، ثم تُستعاد لانتخابات أو سفر. لم تكن تُعاش كحق مدني راسخ، ولا كواجب وطني متجذر. هذه الثقافة، التي صمدت أمام كل مقاربات الإصلاح السابقة، هي التي باتت تتراجع اليوم أمام نهج مغاير.

ولد محمد الأمين لم يتجنب الإشارة إلى إخفاقات الماضي، وهو موقف يُحسب له لا عليه. فـ”لجنة الوزير جومبا” التي عملت أربع سنوات كاملة ولم تُسجّل إلا بضعة آلاف من المواطنين، مثلت نموذجًا جليًا لفجوة الأداء بين النية الحسنة والمنهج الفاعل. الفرق بين تلك التجربة والمرحلة الراهنة ليس في الإرادة السياسية فحسب، بل في بنية الحل ذاتها: من الإجراءات اليدوية المتثاقلة إلى المنظومة الرقمية التي أعادت رسم خريطة الهوية الوطنية.

ما يجعل هذا الإنجاز يستحق التأمل هو سياقه السياسي والاجتماعي. موريتانيا بلد شاسع، تتشابك فيه هشاشة البنية التحتية، وبُعد التجمعات السكانية، وتعدد الشرائح الاجتماعية التي ظلت على هامش السجل المدني لأسباب مختلفة. إنجاز تسجيل أكثر من خمسة ملايين مواطن في هذه الظروف ليس عملًا ورقيًا، إنه عمل ميداني متشعب يستلزم تحرك الدولة نحو المواطن لا انتظاره.

يبقى التحدي الحقيقي الآن في ما هو أعمق من الرقم: أن تتحول هذه الملايين المسجلة إلى ملايين مستفيدة فعلًا من خدمات الدولة، محمية بقانون، ومتمتعة بحقوق. ذلك هو الاختبار الذي سيقيس به التاريخ هذا الإنجاز — لا في يوم إعلانه، بل في سنوات انعكاسه.

Sultan Elban سلطان البان

18-06-2026

LÔNDON