من عروس الروابي إلى عروس البحر (شواطئ عيون)

خميس, 21/05/2026 - 09:08

​في هذه الدراسة النقدية، أقدم لكم تحليلاً لاستخراج معاني قصيدتي "شواطئ عيون" أو "عروس البحر"؛ فمنذ العتبة الأولى، تفتح هذه القصيدة نوافذها للقارئ لتعرّف بنفسها وتعلن هويتها الإيقاعية صراحة على بحر الوافر؛ ففي المطلع تعمّدتُ صياغة لغز عروضي مخبأ يكشف عن نفسه في قولي "فَبَحْرُ العِشْقِ شَاطِئُهُ جَمِيلُ"، حيث يتناصّ البيت خفية وبشكل مضمر مع المفتاح العروضي الشهير للشاعر صفي الدين الحلي (بحورُ الشعرِ وافرُها جميلُ)، ليمتزج بحر العشق الوجداني وبحر الوافر الإيقاعي في هذا النص ككيان واحد؛ فبحر العشق هو بحر البحر في الشعر، والقافية في الشعر جعلتُها عشقاً، والشاطئ جعلتُه الوافر، وهو عشق الأرض والوطن لكي لا يُظن أنه عشق محبوبة فقط. ومن هذا الإعلان، مارستُ في النص أسلوب "المشاطأة" بمعناها اللغوي الدقيق؛ فالشاطئ عندي ليس مكاناً للمراقبة، بل هو فعل "مُحاذاة" ومجاراة لعمق البحر واتساعه، ليذوب القارئ في نواميس الطبيعة ويكتشفها عن قرب وتواكب حركته وغالبًا ما أقوم بهذا في قصائدي؛ فمثالًا على ذلك في قصيدة "غادة الأمراء" في مدح خير الأنبياء، خبأتُ أيضًا لكم أعزائي القراء في هذا البيت بحر المديد حين أقول: "لِعُيُونِ الشِّعْرِ فِيهَا صِفاتٌ ... جُمِعَتْ فِي جِيدِهَا بِالثَّنَاءِ"، حيث اختصرتُ في شطرها الأول (لِعُيُونِ الشِّعْرِ فِيهَا صِفاتٌ) مفتاح البحر الشهير (لِمديدِ الشعرِ عندي صفاتُ)، لكي لا يتعب القارئ في البحث واكتشاف الوزن بل يجده منسابًا في أحشاء النص ويقوده مباشرة إلى كنه البحر وأسراره الكامنة ولقد حملتُ معي في هذه التجربة تضاريس موطني الأول؛ جئتُ من السهول، والظِّراب وهي تلك المسالك الوعرة والشاقة الملتوية في جبال "تگانت" الشامخة (عروس الروابي)، مثقلاً بذاكرة الأرض وصلابتها التي تملك طاقة جارفة. وعندما انتقلتُ إلى "نواكشوط" لمواجهة (عروس البحر)، لم أقف أمامها موقف المستسلم لغموضها، بل دخلتُ مع عبابها الهائج في مواجهة نِدّية واختصرتُه في قولي "أَتَيْتُكَ صَاخِباً وَأَرَاكَ مِثْلِي... بِمَوْجٍ كَالعُبَابِ لَهُ فُلُولُ"، فالبحر هنا صار مرآة لداخلي المتلاطم، وجاءت تلك السدود والجبال والسيول التي تجري في الجبال بـ "تگانت" لآخذها بيدي وأجابه بها البحر، وكأنني أقول له إن هذا الهيجان ليس غريباً عليّ بل أعرفه جيداً وخبرته هناك؛ لتطرح تلك الشواهد سؤالها التراثي العريق بفضول وغموض أعيى الجميع عن "العجبين"، كأنني أنقل قوة الروابي وسدودها ومسالكها الجبلية الوعرة لأحاكم بها جموح البحر وسطوته وفي لحظة تكسر الألواح البحرية التقليدية وعجز الدُّسُر، جئتُ بالنخيل مستلهماً الرمز القرآني في قصة مريم عليها السلام "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ"، ليتحول جذع النخلة إلى طوق نجاة وأداة طفو روحية تتحدى انكسار السفن وتمنحني الخلاص فوق لجج العباب. هذا التدفق الرمزي يتقاطع أيضاً مع أبعاد أسطورية وجودية كـ "دايلول" ليعكس معاناتي وصبري في كتمان جوى العشق، تزامناً مع إعادة صياغة ثنائية شهريار وشهرزاد بقلب موازين الحكاية، حيث أمنحها الوفاء الصادق الذي يسبق القول ويثبته الفعل: "وَبِالْأَفْعَالِ أَمْ لِي مَا أَقُولُ".

​بقلم: يحيى ومحمد الأمين ولد يحيى