
تضمنت زيارة الرئيس غزواني لفرنسا ، حدثا هاما في سياق تاريخ البلدين في المجال ، نحتاج اليوم إلى التذكير به للتاريخ !!
زيارة الرئيس غزواني يوم الخميس 16 إبريل 2026 لشركة بيريو (Piriou) المتخصصة في الصناعات البحرية ، بمدينة بريست ، سبقها تاريخ كامل من المعارك و المراوغات و عدم الثقة المتبادل بين البلدين ، بما يكفي لتأكيد أن الزمن تغير بالفعل و إن كان يُستبعدُ أن تكون فرنسا تغيرت تُجاه بلد عربي مسلم ، تعوََد على ضرب فرنسا له تحت الحزام لصالح حلفائها من حوله و تعودت فرنسا على مفاجآته الجريئة ، غير المنتظرة ، المتحدية لجبروتها ..
كان ازدراء فرنسا ببَدْوِ هذا البلد و تجاهلها لحضارته العريقة و تاريخه العظيم ، سببا حتميا للوقوع في حبائل ذكاء أهله و الاصطدام المُذهل بطموحاتهم المتجاوزِة لكل ما تفكر فيه القوة الاستعمارية العظمى !!
ما بين1957 و 1960، تم تكوين أول دفعات إداريين لاستخلاف إدارة المستعمر في موريتانيا ، لم يتلقوا خلال تكوينهم أي إشارة إلى المياه الإقليمية للبلد ، رغم زحمة البواخر الأجنبية في مياهه نتيجة وفرة الأسماك و جودة نوعياتها ..
كانت هذه البواخر تنهب خيرات بحر البلد و تستبيحها طبقا لاتفاقية برلين التي صدرت مقرراتها في 25 فبراير 1885 بعد 8 أشهر من المداولات حول تقسيم الدول الإفريقية و فصل مياه القارة عن ملكية الأرض باعتبارها ملكا للجميع حسب أحد بنود الاتفاقية .
في سنة 1962 (في إطار صراع حركة النهضة مع النظام الموالي لفرنسا) ، تمت لأول مرة ، إثارة قضية المياه الإقليمية للبلد !!
و فور تولي المرحوم بوياگي ولد عابدين وزارة النقل ، استدعى أطر الوزارة و سألهم "أين ملفات المياه الإقليمية" ؟
فأجابوه "لا علم لنا بمياه إقليمية" !!
فذهب الوزير بوياغي إلى بور إيتيين (نواذيبو) ، فتلقى نفس الرد على سؤاله . و أخبروه أن لدى موريتانيا وحدة أمنية صغيرة فقط ، مكلفة بحماية بواخر فرنسا و طائراتها ، تملك زورقا واحدا تحت اسم "كابولاني" ، فأمر بتغيير اسمه إلى "شنقيط" و بإعداد قانون يحدد المياه الإقليمية للبلد و طرق حمايتها ..
لم يكن البلد حينها ، يملك لا وسائل و لا خبرات لحماية و متابعة مياهه و ظلت بواخر العالم تستنزف ثرواته ، لكن تعليمات الوزير بوياغي وضعت حجر الأساس لمسطرة إجراءات كان لها ما بعدها ..
بعد سنوات ، بدأ المرحوم ولد داداه يعي أهمية البحر (و تعرف فرنسا جيدا كياسة ولد داداه لكنها تعرف صرامة و ذكاء قراراته) و حين شعرت بهذا التوجه لديه ، قدمت له دراسة مفبركة حذرته فيها بخطورة إنشاء ميناء في نواكشوط ، كان الغرض منها ترك المونوبول في المجال لميناء داكار ، دون أي منافسة !!
بدأت الأمور تتسارع بوتيرة غير متوقعة ؛
ـ في البداية أصبحت لموريتانيا مياه إقليمية لا تتجاوز 6 مايل مع 6 مايل للحماية ثم أصبحت 17 مايل ..
ـ تم تأسيس البحرية الوطنية في 17 يناير 1966 و كانت مهمتها أمنية في الأساس .
ـ في 1967 تم تأسيس قوة بحرية ، أصبحت لديها رقابة على المياه و البواخر و حماية الثروة السمكية و الأمن ..
ـ اشترت الوزارة بواخر صيد أصبح لها دخل للخزينة العامة، لأول مرة ..
و بعد اكتمال ملامح الدولة و تشكل مختلف قطاعاتها ، قال ولد داداه إنه لا بد من إنشاء ميناء ، في تحد صارخ و مزعج لفرنسا ، لا يأتي دون إنشاء العملة الوطنية و تأميم ميفيرما في شيء !!
و حتى أمس القريب ، عارضت فرنسا بقوة حدَّ التهديد ، بناء موريتانيا لميناء عسكري في انجاگو ، فأجابهم عزيز بأن انجاگو أرض موريتانية تبني فيها موريتانيا ما تشاء ..
و سواء كانت زيارة الرئيس غزواني اليوم لشركة "بيريو" المتخصصة في الصناعات البحرية من أجل شراء قطع بحرية عسكرية أو من أجل السماح لقوة عسكرية فرنسية بالتواجد في مياه بلدنا ، بعد فشلها الذريع في المنطقة ، يجب أن ننطلق من ثوابت لا مراء فيها :
ـ أن فرنسا عدوة لموريتانيا ،
ـ أن فرنسا ألدُّ أعداء العروبة و الإسلام على وجه الأرض ،
ـ أن فرنسا هي المؤسسة لحركة افلام و الحاضنة لحركة إيرا ،
ـ أن صداقة موريتانيا واحتضان إيرا و افلام ، عمل بهلواني ، لم يعد يفعله غير فرنسا و لم يعد يقبله غير الأنظمة الموريتانية ،
ـ أن أي بلد يقبل اليوم بأي تواجد لقوات أجنبية على أرضه لأي سبب ، هو بلد محتل ، بلا سيادة ، كما نشاهد اليوم في الخليج و فنيزويلا و غيرهما …
و ليس في هذه الثوابت ما يمنع إبرام أي اتفاقية مع فرنسا ، بل ما يوضحها و يقويها و يراعي تفادي إجهاضها مع أول هزة في أي من البلدين !!
قبعتي للزعيم بوياگي ولد عابدين ، فأينما يذكر اسمه نتذكر وفاءه لهذا الوطن .
رحم الله بوياگي ولد عابدين .




