
عشرون عاماً من النزاهة المنسية تحت ظل العلم الموريتاني؛ فما أشبه الليلة بالبارحة؛ ففي عام 2008، وداخل أروقة استديوهات إذاعة موريتانيا، وُضع طموحي على محك الأخلاق؛ كنت حينها قادماً من مسارٍ في الصحافة المستقلة، لأبدأ تجربة ولوج الإعلام الرسمي كمتدرب يافع. حينها، دفع إليّ المدير المساعد الهاتف الثابت قائلاً: "اتصل بقريبك (فلان) الآن ليضغط على المدير العام، وسيتم توظيفك فوراً". كان الخيار بين رنة هاتف تفتح أبواب الوظيفة، وبين "عصاميتي" التي تفتح أبواب الكرامة. اخترت الثانية، ونزلت درجات السلم بمرارة، مؤمناً أن الجدارة هي العقد الوحيد الذي يجب أن يربط المواطن بوطنه.
ومنذ ذلك الحين، تعاقبت الأنظمة وتغيرت الوجوه في ظل سحق الأجيال في متاهة الوطن، وظللنا نحن "الجيل التائه" نتربص خلف كل تحول سياسي بصيص أمل، لنكتشف في كل مرة أن عود العلم لا يزال أعوج. إن السحق الاجتماعي الذي نعيشه ليس قدراً، بل هو نتيجة لنظام يرفض الاستقامة، ويفضل الولاءات الضيقة على الكفاءات الوطنية. لقد تحول الشباب من طاقة بناء إلى "كهول معلقين" يتسكعون في ردهات الانتظار، بلا حسابات بنكية، ولا ضمان صحي يداوي أوجاعهم، ولا تكافل اجتماعي يحفظ شيبتهم.
لقد أصبح الوطن كأبٍ جاحد، والمواطنة عقد متبادل؛ نحن قدمنا الصبر والولاء والنزاهة، والوطن لا يزال يبخل علينا بظله. ننتظر منه كما ينتظر الابن من أبيه الرعاية والمداواة عند المرض، لكننا مرضنا فلم يعالجنا، واحتجنا للأمان فلم ينصفنا. فماذا يريد منا وطن يأخذ زهرة شبابنا، وعندما ترهقنا السنين، يدير لنا ظهره ويتركنا للمحسوبية والظلم والإقصاء؟
هذه هي كرامة الهامش؛ فرغم مرارة التهميش، يبقى الوقوف في شمس الحق بكرامة خيراً من الاستظلال بفيء الزيف. واليوم، ونحن ننظر إلى تلك السنين المهدرة بين وعود العشريات المتلاحقة، لا نملك إلا أن نردد السؤال الذي يختصر مأساة أمة بأكملها: "فكيف ننتظر استقامة الظل.. والعودُ أعوج؟"




