
في قلب طوشكاون، تلك العاصمة المنكوسة في دولة إيناتيروم، صار الحلم الوحيد هو ملء الأمعاء، وتوظيف مضغ الأضراس، بدلاً من الأمل بالألسن والكلام؛ حيث انهار الواقع وانكفأت الأحلام على أعقابها تحت وطأة الجوع. هناك، تتجلى "حكومة الأطباق" ككيان منفصل تماماً، مشيدةً قصورها فوق غلاف إيناتيروم الجوي، محلقين في طائرة لا تقتات إلا على "وقود الزيادات". فتلك هي قوانين الارتفاع التي ترفعهم نحو الأعلى كلما زاد ثقلها على من في الأسفل، بينما غادروا إلى "منفى" في أعالي الأفق، تاركين خلفهم مدناً للأشباح.
فكل مرسوم يصدر برفع كلفة القمح، أو الغاز، أو المحروقات، والكهرباء، ليس إلا شحنة طاقة تدفع قصورهم للارتفاع أكثر في الأعالي، بينما تمطر مراسيمهم على الأرض لهيباً يزيد من تفحم واقع الجياع في وادي المرايا. ولم يكتفوا بذلك، بل أطبقوا الخناق بمرسوم "حظر التجوال" الليلي، لتتحول إيناتيروم خلف قضبان قراراتهم إلى سجن كبير مهجور، غارق في أدخنة العوادم ورائحة الكبريت الخانقة. وفي الأسفل، ساد ظلام دامس؛ حيث ارتمى المحاصرون على أعمدة الكهرباء الباردة وكأنهم يحاولون تحويل خشبها إلى حطب لجوعهم، يتدافعون خلف دبيب النمل ويزاحمونه على حبة أرز داخل فمه في جوف التربة بحثاً عن لقمة ضائعة في زريبة الحصار.
لقد باتت الحقائق في طوشكاون مجرد "حوار" ليس إلا علفاً معسولاً يُساق إليه المواطنون لمضغ الأوهام، أولئك الذين لا يُرون إلا أسبوعياً من خلف الشاشات ليعكسوا كلاماً منمقاً عالياً. إنها ثورة الجوع والعطش التي بدأت تتشكل من تحت رماد الحطب، حيث قررنا في نواميس وادي المرايا صياغة الانعكاس بأن نبيع الكلام ونصعد باللغة لتعكس تلك القيم التي صعدت، حتى أصبحت الرموز صعوداً لا يُقرأ إلا بالاحتراق، ليظل الدخان المتصاعد من الزريبة هو البيان الوحيد الذي يحاول اختراق غلافهم الجوي لإنزالهم من أبراجهم إلى أرض الحقيقة الملوثة.. فمتى ستهبط طائرة الأسعار، أم أننا سنبقى بلا مدارج؟ ومتى يتحول دخان مروحية الوزراء إلى زئبق يقع على الأرض لينفع الناس؟
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى. [email protected].




