
لطالما رددنا في طفولتنا وأناشيدنا المدرسية كلمات الفداء والتضحية، كبرنا ونحن نعتقد أن علاقتنا بالأرض هي علاقة جندي بمترسه؛ نحمي الحدود، ونقف في وجه الريح، ونبذل الغالي والنفيس ليبقى الوطن شامخاً. ولكن، ومع مرور السنين وتراكم الخيبات، بدأ سؤال غريب يطرق أبواب قلوبنا: أين نصيبنا من حماية هذا الوطن لنا؟
إن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية أو نشيد وطني نؤديه في الصباح؛ الوطن هو المؤسسة التي تحمي كرامة الإنسان حين يضعف، واليد التي تمتد له حين يسقط. أريد وطناً يحميني من الحاجة إلى الوقوف في طوابير الذل للحصول على أبسط الحقوق. أريد وطناً يحميني من غياب العدالة، ومن سيطرة المحسوبية التي تقتل الكفاءة وتئد الأمل في نفوس الشباب.
أريد وطناً يشعر فيه المواطن أنه شريك في القرار وليس مجرد رقم في الإحصاء، وطناً يحترم عقلي وتفكيري ويمنحني حق العيش بكرامة دون منٍّ أو أذى. إننا حين نطالب بوطن يحمينا، فنحن لا نتهرب من واجب حمايته، بل نؤكد أن حماية المواطن هي الضمانة الوحيدة لبقاء الوطن.
فالمواطن الذي يشعر بالأمان في كرامته وعيشه وصحته، هو وحده من سيبني وطناً لا يُقهر. إن علاقة المواطن بوطنه يجب أن تخرج من دائرة الشعارات العاطفية إلى دائرة الحقوق والواجبات المتبادلة، ليكون الوطن بحق هو الملاذ الآمن والدرع الحصين لكل أبنائه دون تمييز.
أريد وطناً يمنحني أوراقي الثبوتية، ويعطيني بطاقة ائتمان، ويرفع هويتي، ويضمن حقوقي، وإذا مرضتُ يداويني. وطناً أستودعه أبنائي ليكونوا هم وأبناؤهم في أمانه، يضمن معيشتي بكرامة لا ضنك فيها، فلا يرفع عليَّ الأسعار ولا يحاصرني في رزقي. أريد وطناً يوفر لي بطاقة الضمان الاجتماعي والصحي، ويرفع هويتي دون قيد أو شرط، ودون أن يكون ولائي أو صوتي الانتخابي ثمناً لحقوقي الأساسية. أريد وطناً يمنحني بطاقة هوية غير مشروطة بالانتخاب.
لا أريد وطناً يقتات على أحلام شبابه ويتركهم لقمة سائغة لقوارب الموت والهجرة، ولا وطناً يقدس الشعارات الجوفاء بينما تضج الأرصفة بالجوعى والمرضى التائهين. لا أريد وطناً يكمم الأفواه باسم الوطنية، ولا يظلمني أو يحول المؤسسات إلى إقطاعيات عائلية تحرم ابن الفقير من حلمه المشروع.
أريد وطناً يحميني ويدافع عني إذا تعرضت للذل، وطناً لا يقف صامتاً أمام ما يهدد حدوده أو أمن أبنائه، بل يكون هو الدرع والملاذ؛ فالمواطنة الحقيقية هي أن أشعر بقوة الدولة في ظهري حين تشتعل الأزمات، لا أن أكون وحيداً في مواجهة المصير.. أريد وطناً يحميني، لا وطناً أحميه




