الموريتانيون مازالو يتذكرون وثيقة التجريم "Grab1" التي اعلنها مدير حملة الرئيس معاوية،

سبت, 04/04/2026 - 18:11

ولا يزال الموريتانيون يتذكرون وثيقة التجريم "Grab1" التي لوح بها صديق لوليد، مدير حملة الرئيس معاوية، وكان اتهامًا سخيفًا بمحاولة الإطاحة بالسلطة من خلال الكتابة على جدران حي ( Ilot C ) وقد حُكم عليّ بعقوبة أشد من عقوبة ابريد الليل المهندس الحقيقي لترشيح الرئيس محمد خونه ولد هيداله، أُجبرت على المنفى، وصدرت مذكرة اعتقال دولية ضدي لمحاكمتي مع فرسان التغيير، ومن بين رؤساء شبه المنطقة، كان الرئيس السنغالي عبد الله واد هو الوحيد الذي اعتقلني وأعادني إلى مالي، وبصرف النظر عن هذه الحادثة، ظللتُ مطاردا حتى سقوط نظام أصدقاء لوليد، وهو ما علمت به أثناء وجودي في بروكسل، حيث حصلت على اللجوء السياسي، وقال محمودي ولد بخريص لاحقًا بروح الدعابة: إنني تسببتُ في ألَـمِ الركبتين للأجهزة الأمنية: إذ كانوا كلما اقتربوا من الإمساك بي أفلتُ من بين أيديهم.

إنه أمر طبيعي جدّا. عندما يتعقبك أصدقاء لوليد أن تصبح حذِرا رحّالةً.

في محاكمة Grab1، حُكم عليّ بالسجن لمدة خمس سنوات مع وقف التنفيذ وحُرمت من حقوقي المدنية والسياسية، وكان يتوجَّب عليَّ الْتزام الصمت وإلا فالسجن النافذ، وكان قراري ألّا أسكت وأن أُدين كل ما فعَله أصدقاء لوليد بالبلاد من خلال آلة قمع النظام.

وعلى امتداد عشرين سنة، ظل مدير ديوان الرئيس معاوية هو الدكتور لوليد، باستثناء بضعة أشهر تغيب خلالها لوليد فاستُبدل به بناهي ولد أحمد طالب.

لقد كان دائمًا الدكتور لوليد الذي لا يمكن عزله، ومن ورائه أصدقاؤه من بقايا حركة الكادحين المهَرَة المتمرِّسين في دراسة نفسية الرؤساء وكذلك أحاطوا بالرئيس معاوية وألزموه بقمع البعثيين والناصريين والقوميين البولار والإسلاميين وحتى بعض القبائل في شرق البلاد.

وفي ظل هذه الظروف، لم يكن التقاعس والصمت هو الخيار الأفضل، فقررتُ التوجه إلى دكار وإطلاقَ التحالف الوطني مع المعارضين الملتزمين بالتغيير، وأعلنت إذاعة فرنسا الدولية الخبر. فملَك الذُّعر النظام وكانت ردّة فعله فوق الخيال، وبحسب وزير الدفاع بابا ولد سيدي، فإن حركتنا لها صلات بأبي مصعب الزرقاوي في العراق. ألا ما أبعد العراق! وإنما كان حليفنا فرسان التغيير، وقد أظهروا التصميم والشجاعة، وحاولوا كرة أخرى باءت بالفشل، وبدأت محاكمتهم في واد الناقة وأُلحِق بهم الرئيس محمد خونه ولد هيداله وأحمد ولد داداه والشيخ ولد حرمة وأنا غيابيا.

والخلاصة أننا لم نُصِبْ غزال "ولد ارقيِّقْ"، ولكن منعناه الرعي سنوات عديدة.

وصراحة فإن أصدقاء لوليد قد تم فطامهم من 2005 إلى عام 2019 باستثناء فترة سيدي ولد الشيخ عبد الله القصيرة، وكان من حسنات الرئيس عزيز القليلة تعهّده بإبعادهم عن نظام حكمه، وقد احترم الْتزامَه، ومن المؤسف أنهم أعادوا التموقع في ظل الرئيس غزواني وعادتْ حليمة إلى عادتها القديمة بتصفية الحسابات وانتصروا على عدوهم اللدود: الرئيس عزيز، ولم تزل عقدة الثامن يونيو تُلازمهم: سلسلة "جرائم القرابة"، ثم قرروا استبعاد كل من شارك في الصحوة الوطنية التي تسببت في انهيار نظام ولد الطايع الذي هو في الحقيقة نظامهم هم.

"قبّل يدًا لم تتمكن من قطعها". هذا بالضبط ما طبقه أصدقاء لوليد بصرامة، وهم اليوم يوحون إلى الرئيس غزواني ومستشاريه بما يزداد به رَهَقًا بعدما أبعدوه من قبلُ بمرسوم دُبِّر بليل كان آخر عهد الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله بكرسي الرئاسة.

نعم, لم يخجلوا من أَزِّهم سيدي ولد الشيخ عبد الله أَزًّا حتى وقّع لهم قرار إعفاء الجنرالات فجرا غدْرًا بل تراءوْا اليوم للرئيس غزواني ناصحا أمينا فزيّنُوا له حوارا وطنيا بغير ثوابت وبلا قيود، فالقيود لا بدّ منها، ويجب على الدولة أن تضع خطوطا حمراء زاهية لتتجنب تحريض مواطنيها على الفتنة الساحقة الماحقة.

عندما تم الاستماع إلى أصدقاء لوليد كثيرا يوم كانوا محل ثقة الرئيس معاوية، لم ينصحوه بتنظيم مؤتمر وطني على غرار بعض الدول في المنطقة، وكانوا يدركون من قبلُ أنها مغامرة محفوفة بالمخاطر، ولهو اليوم أكبر خطرا حيث أصبحت الطائفية العنصرية مصدر قلق أكثر من أي وقت مضى، ولم تلتئم جراح الأمس بشكل كامل بعدُ.

إن قرارا معلبا لا تنقلب به الجهالة علما ولا ينقلب به الفساد صلاحا، ولن ينسى الموريتانيون أولئك الذين نسفوا عمليتهم الديمقراطية في عهد نظام ولد الطايع، وكان منهم من وقفوا ضد إنشاء لجنة مستقلة للانتخابات، ويتذكر الشعب الموريتاني جيدا أن أول إصلاحات ديمقراطية جادة كانت في الفترة الانتقالية.

إن التراجع عن هذه الإنجازات اليوم بأي حساب سياسي من شأنه أن يشكل عملا وخيما، وإن التغيير إلى الأفضل سيظل وجيها ولو أعرض عنه البعض.

ولأن التغيير نحو الأفضل خيار لا غنى عنه للأحرار، فقد قررنا بكل سرور دفع ضريبته المكلفة التي نكص عنها أصدقاء لوليد، ولم ننخدع بدِعايتهم المضللة أن نظامهم الديمقراطي نموذج يُحتذَى به، وأن بلادنا تُحظى بثقة المانحين. ويتراءى للبسطاء خسارة الذين يُحاولون التغيير، لتمكُّنِ أصدقاء لوليد ـ بعد عشرين عاما من نضال المخلصين ـ من إعادة البلاد إلى وضعها السابق أجواءِ ما قبل المرحلة الانتقالية قبل مجيء الرئيس اعل ولد محمد فال وحكومته. وعلى امتداد عشرين سنة تم التلاعب بأحزاب المعارضة (التكتل، تواصل، قوى التقدم، وفرسان التغيير) وتقسيمُها إلى مجموعات ولتنسجم مع أهواء السلطة الحاكمة، وكان المنشقّون منهم الملتحقون بالنظام أشد موالاة من الحزب الحاكم وأكبر ترويضا من أسرى في قبضة مَن كانوا يحاربونه، ومن العجيب الغريب أن الأنظمة المتعاقبة رغم تعاملها مع منشقي المعارضة لم تثق فيهم ولو مرة واحدة ولكأن لعنة ماضي أحدهم في المعارضة ذنب لا توبة منه، وإن نظرة خاطفة إلى حزب "إنصاف" وإلى الحكومة والإدارة العليا لتثبتُ خُلُوّها من قامات معارضة سابقة لم يشفع لها الْتحاقُها بالنظام، لأنهم في السابق كانوا لا يطأطئون الرؤوس ولا يكررون نعم نعم حتى في أصعب الأوقات، في أزمات كادت تعصف بالبلاد. وفي سياق التحضير للحزب الحاكم في نسخته "عادل" استقبلني الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله مع اثنينِ من الزملاء كانا عضوين في فريق حملته الانتخابية وطلب منا الاندماج في مشروعه السياسي. وفي هذا الإطار أوكل الوزير الاول يحيى ولد احمد الواقف رئيس مشروع الحزب الى أحد أصدقاء لوليد لاقتراح رؤساء لجان ستكلف بعملية الانتساب، فسارع الرجل إلى اقتراح إرسالي إلى مقاطعة نائية، فأجهض الرئيس يحيى بفطنته تلك المناورة فعينني نائبا لرئيس اللجنة الوطنية للكوادر برئاسة وزير من الحكومة. ويُرابط زوار المساء اليوم على مراجعة الدستور لإعادته إلى نسخته القديمة عام 1991، ولتكتمل المهمة.

أجل، لقد انتصرت قوى الجمود على قوى التغيير. وجدير بالذكر أنه بمجرد وصوله إلى القصر، نظم الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله لقاء مع أصدقاء لوليد، وكانت كلماته واضحة ومعبرة عن الجدّيّة: "أيها السادة، أنا مـمتن لكم على الدعم القيّم الذي قدمتموه لي، ولكنني أشعر بالخجل من أن أخبركم أن هذا ليس الوقت المناسب بعدُ لإشراككم في إدارة البلاد، لأن الموريتانيين يتطلعون إلى التجديد وسوف أستجيب لتطلعاتهم". ممتاز، فهذا الحديث يتناغم تمامًا مع تصريحات خصّني بها سيدي ولد الشيخ عبد الله في مقر حملته الرئاسية يوم قدِمتُ إليه مفصحا عن دعمي فأثْنَـى عليَّ ثناء لطيفا ختمه بقوله: "أنا أعول عليك...".

 لقد خالف الرئيس سيدي في خطابه ذلك مبادئ السلطة وأسرار النظام التي وضعها أصدقاء لوليد، غير أنه صحّح "الخطأ" بإرسال نحو عشرة من أصدقاء لوليد سفراء في دول مؤثرة ثم سلّمهم نصف الحكومة بعد ستة أشهر، يا لها من عودة مذهلة! وكاد الصف الثاني من أصدقاء لوليد يستلمون جميع الإدارات والتسيير لولا ان الانقلاب أجهض ذلك كله. في وقت سبق هذا الحدث وقعت أزمة ثقة بين الرئيس سيدي والجنرالات أضحى للجنرالات "كتيبة" برلمانية لها أغلبية، فحاول أصدقاء لوليد تدارك الوضع باقتراحهم على الرئيس سيدي أن يتراجع عن خطابه في نواذيبو (أنا ليس بيدي حيلة ولا عصا سحرية) وليستنسخ سياسة الرئيس معاوية بتوزيع المناصب والمزايا وأعدّوا له قائمة عشرات لتتم ترقيتهم وكذلك تم تعيين مديرين جدد لشركات "سونمكس" و"سوكوجم" و"امكستب" و"الوكالة الحضرية"...

 وجاء عزيز فأقصى أصدقاء لوليد، وأنشأ طاقما جديدا من الكوادر على مقاييسه: رجال ونساء في خدمة نهبه هو ونظام عشريته الطويلة للمال العام…

الدكتور ولد صنيب