قراصنة التدوين: المتاجرون بأنين المرضى ونخاسة الأوجاع

خميس, 02/04/2026 - 10:08

​لقد تحول للأسف الفضاء الأزرق في موريتانيا إلى مستنقع آسن يضج بنقيق فئة من المدونين، بهدف الشهرة والجشع، حيث أصبح هؤلاء الببغاوات يدعون صفة "المدون" وهم لا يملكون من العلم كرامة ولا من القلم أمانة. هذه الشريحة من الهواة، خريجو شوارع البطالة والفشل الدراسي، وجدوا في الهواتف الذكية وسيلة قذرة للارتزاق على حساب أنين المرضى وأوجاع المنكوبين.

​إن ما يمارسه هؤلاء القراصنة ليس رأياً ولا فكراً، بل هو نخاسة رقمية منظمة؛ حيث يعمدون إلى المتاجرة بخصوصيات المرضى في لحظات عجزهم عبر إيهامهم بتبني قضاياهم والوقوف معهم، ليسجلوا أصواتهم وصورهم تمهيداً لبيعها لمنظمات وهيئات خارج الحدود. يجمعون باسم "الإنسانية" مبالغ طائلة تدخل جيوبهم الخاصة لتتحول إلى سيارات فارهة وقصور مشيدة، وهم الذين كانوا بالأمس حفاة الأقدام يتسكعون في شوارع العاصمة لا يملكون ثمن قوت يومهم، بينما يُترك المريض لمصيره المحتوم دون أن يناله من تلك "التبرعات" أوقية واحدة.

​إن هذا الابتزاز يتجاوز الطمع المادي ليصل إلى الخيانة السياسية؛ حيث يستخدم هؤلاء الأشباه تلك المآسي كوقود لبناء ملفات "اضطهاد وهمية" يتاجرون بها أمام السفارات والمنظمات الدولية للحصول على لجوء سياسي مأجور، موهمين الرأي العام الدولي بأنهم معارضون أصحاب قضية، بينما الحقيقة أنهم مجرد أبواق تبيع ذممها لمن يدفع. إنهم يبيعون سمعة وطنهم بـ"نقيق" صاخب يعوض عجزهم عن صياغة جملة واحدة مفيدة، محولين التدوين لدى هذه الفئة من رسالة أخلاقية إلى مهنة لمن لا مهنة له، وقناعاً لصوصية محترفة تقتات على دموع البسطاء.

​[شهادة الكاتب]

​إن ما تعرضتُ له هو نموذج صارخ لما يقع فيه المرضى الموريتانيون الضعاف؛ فقد صُدمتُ بعد تماثلي للشفاء بوجود مقاطع مصورة لي لم أكن على علم بها، أظهر فيها وأنا (أناشد رئيس الجمهورية وبعض الخيرين، وأقول بأني فقدت بصري في ألم شديد وفي مرض ذو سنة). وهي عبارات لُقنت لي تلقيناً في لحظة سقم وغياب تام عن الوعي، كما علمتُ بذلك لاحقاً من البعض بعدما تماثلتُ للشفاء، حيث استُغل وضعي كأداة لملء الجيوب، بينما يُترك المريض يواجه قدره وحيداً.

​ولعل ما يثبت زيف هذه الأدوار البطولية المزعومة، هو ما حدث معي شخصياً حينما كنت مبصراً؛ فقد عرض عليَّ أحدهم مبالغ مالية طائلة مقابل إعداد جريدة خاصة مطبوعة تروج لتعرضه "لانتهاكات وضغوط وضرب" في موريتانيا بغية الحصول على لجوء، وهو ما رفضتُه رفضاً قاطعاً صوناً لأمانة المهنة، لأفاجأ اليوم بوجوده في الخارج بعد أن وجد -ربما- من يبيع ضميره ويصنع له ذلك الملف الوهمي.

​لقد كان ردي حاسماً لكل من زارني في منزلي عارضاً المتاجرة بآلامي: أنا صحفي وإعلامي، وبضغطة زر واحدة يمكنني تناول قضيتي بكل كرامة لو أردت ذلك، لكنني أربأ بنفسي عن هذه الأساليب الملتوية. إن الإحسان الحقيقي يجب أن يكون خالصاً لوجه الله، لا تجارةً دنيئة تُستغل فيها الصور لاستجداء الخارج من قِبل منتحلي صفة يتاجرون بأوجاع الشرفاء.

​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى