حينما يتحول السجن الاحتياطي إلى مصحة للجنون

أحد, 22/03/2026 - 13:53

​لم يعد الاحتجاز الاحتياطي اليوم مجرد إجراء تحفظي لضمان سير التحقيق، بل تحول في حالات عديدة إلى أداة ممنهجة لتغييب الشهود في قاعة الانتظار خلف القضبان. إن تمديد فترات التوقيف في السجن التمهيدي بات يُستخدم كاستراتيجية مدروسة لتحويل المؤسسة العقابية إلى ما يشبه "المصحة العقلية"، حيث يُعزل النزيل وتُسلب أهليته تدريجياً عبر عمليات إكراهية تفرغه من وعيه قبل تقديمه للمحاكمة.

​تأتي هذه "النقاهة المرضية" خلف القضبان لتقديم الموقوف إلى العدالة "جسداً بلا إدراك" بهدف تضليل المحكمة قبل التقديم. والمفارقة المريبة هنا هي حصر الإفادات الطبية في تهمة "الجنون الملفق" تحديداً؛ فبينما يغيب أي إثبات لإصابات حركية أو عضوية في سجلات المعني، تبرز شهادات "الجنون" كخيار وحيد ومُعلب لحفظ الإدانة وتفريغ فحواها حصراً، مما يكشف أنها أداة انتقائية لقتل الأهلية القانونية. إن تحويل المتهم إلى "مجنون" هو في جوهره عملية إحراقٍ للوثائق وإسكاتٍ للشهود؛ فباعتباره "شاهداً حياً" يمتلك من المعلومات والشهادات الشفهية ما يكفي للإطاحة بالرؤوس الكبيرة في هرم الفساد، يأتي هذا التغييب ليمحو كل أثرٍ يربطه بالحقيقة، ويجعل من صمته وثيقةً محترقة لا يمكن لمحكمة أن تقرأها، رغم أنه لا يزال بريئاً بحكم القانون.

​والهدف من وراء هذا التغييب المفتعل للمعتقلين هو حماية مافيات الفساد التي تقبع خلف هؤلاء الموظفين ("المجاذيب")؛ فبمجرد إخضاعهم لعمليات "غسل دماغ" داخل السجن التمهيدي لمنعهم من توريط أولئك الكبار، وصبغهم بصفة "مجنون"، تُسقط كل أقوالهم وتُلغى شهادتهم وتُغلق ملفات القضايا التي قد تكشف المستور. إن تحويل السجن إلى "مصحة عقلية" هو في حقيقته جدار قانوني يعزل الحقيقة عن قاعة المحكمة.

​يظل هذا التحايل دليلاً قاطعاً على استقلال القضاء؛ فلو كان هؤلاء المفسدون يملكون السطوة المباشرة لزجوا بهؤلاء الشهود في السجن عبر أحكامٍ سريعة، لكنهم يلجؤون لهذا التحايل في مرحلة التوقيف التمهيدي لعلمهم باستقلال المحكمة عن نفوذهم. فهل يا تُرى، بعد كل هذا التضليل، المحكمة شريكة في هذا العبث، أم أنها هي الأخرى ضحيةٌ لابتزاز هؤلاء المفسدين الذين يخشون مواجهة عدالة القضاء النزيهة؟ وهكذا يتم ليّ عنق القانون.

​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى