
قالَ: السماءُ كئيبةٌ وَتَجَهَّمَا.. قُلتُ ابْتَسِمْ يكفي التجهّمُ في السما
ظهر العارض في أفق المحيط الأطلسي، سماءٌ متجهمةٌ غاضبة، ظنها الفاسدون غيثاً يبشرهم بالخير، تماماً كما ظنّ الأقوام الغابرون حين رأوا العارضَ مقبلاً فاستبشروا به، وما كان إلا وابلَ غضبٍ أزاح الستار عن زيف السفينة المخروقة.
لقد شيّد هؤلاء "سفينةً" من نهبهم؛ سرقوا حتى حصى قاع المحيط ورمال شواطئه ليبنوا بها أبنيةً رائعة المظهر، خادعة الجوهر. وهربت فئران السفينة طلباً للنجاة قبل غرقها، لكنهم غفلوا أنهم صنعوا سفينةً "مقعرة" هشّة، لا تطفو إلا فوق فسادهم، وقد زادها خرقُ الفساد ثقلاً، فلا تُصلحها رقعٌ ولا يستر عيوبها طلاء. وعندما انفجر المحيط، تلاطمت عليهم أمواجُ البحر الهائج في عُبابه، لم تكن المياه عادية؛ بل كانت ميزاناً إلهياً يغمر كل ثقيلٍ بالخطيئة وبأموالِ النّهب، ويسحب في جوفه الطغاة وقصورهم إلى قاع النسيان.
في تلك اللحظة، تحرر المواطنون، وكانوا يضحكون وهم يمارسون حياتهم، وكأن مياه الأطلسي الصديقة تطهر الأرض من أدرانهم. وتناثرت الأسماك على الشواطئ رزقاً للفقراء الذين أكلوا بضحكاتٍ ملؤها النصر، بينما لفظت المياه بطون الأغنياء لتخرج منها تريليونات الأموال، وتتحطم البنوك التي كانت حصوناً للنهب.
لقد نجا المواطن البسيط؛ إذ كان "خفيف اليد من دنس الأطماع"، لم يحمل من أثقال الدنيا ما يمنعه من الطفو، ولم تلطخ ثوبَه شوائبُ الطمع، فصار بخفتهِ طافياً فوقَ سطحِ الحقيقة، بينما غرق الآخرون تحت وطأةِ ما اكتنزوا من أوزار.
ابتلعت الأرض كل ذلك الطغيان، وامتصت بقايا فسادهم، لتنظف أديمها منهم كأنهم لم يكونوا شيئاً، وعادت الأرض نقيةً كما كانت، وكأنها طهرت نفسها من دنس أولئك الفاسدين إلى الأبد؛ تلك كانت نهايةُ المدينةِ الشاطئيةِ الفاسدةِ التي ابتلعتها أمواجُ الأطلسي وطواها الزمان.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




