
رَبَضَ لأكثر من عشرين سنة خلف سدٍ من التمويه الكثيف، واضعاً فوق رأسه خيوطاً فانتازية متشابكة جعلته جزءاً من تضاريس الغابة الوعرة، يتخفى عن رادارات العدو. لم يقتفِ أثر طريدةٍ لسد جوع، بل انتدبته العدالة كصياد ماهر مأجور للكلمة، لتطهير الميدان من طفيليات نخرت المفاصل. كان يزحف على بطنه ببطء شديد، مطارداً طريدته باحترافية عالية حتى ينال منها في اللحظة الحاسمة.
أحكم قبضته على بندقيةٍ ثبَّت فوقها منظاراً يقرب المسافات المستحيلة، تماماً كعدسة كاميرا صحفية تلتقط الحقيقة العارية. ولقمها بمخزن يحتوي على 28 رصاصة من الفولاذ المركز؛ هي حروف لغته العربية التي لا تخطئ هدفها. ولإتمام مهمته كشبح، كان يضع كاتم الصوت كاستراتيجية صامتة، لتموت الرؤوس العفنة بوقع الحرف دون ضجيج يكشف مكمنه. كانت عيناه تشعان باحمرارٍ قانٍ من فرط الغضب على المفسدين واللصوص، محولاً ساحة المعركة إلى مقبرة هادئة لكل من حاول الفرار من "سلطة الكلمة".
ومع تصاعد المواجهة، تمكنت منه مخالب الغدر في النهاية، فأطفأوا نور عينيه اللتين أحرقت حصونهم، ليتحول هذا الصياد الماهر إلى كفيف اعتزلخند الرماية المباشرة. صار الآن كبير المدربين، يلقن الفرسان الجدد كيف يقتنصون الزيف في "وادي المرايا"، مستخدماً الفانتازيا كأقوى وسيلة للتخفي، ومثبتاً أن المعركة بالبصيرة والحرف أخلد من رصاص القتل.
لذا، لم يكتفِ بتعليمهم فنون الرمي، بل انتقل بهم إلى احتراف صناعة الرصاصات وتقليفها لضمان استدامة الذخيرة في أيديهم، محولاً أسلوبَ الكتابةِ إلى "الرصاصِ الصامت" الذي يخترق الحصون بلا ضجيج، وصولاً إلى تدريب أولئك "الفرسان الظلال" على عملية زرع العبوات الناسفة في مفاصل الزيف؛ تلك الحقائق المفخخة التي يزرعونها لتنفجر في الوقت المحتوم وتدك معاقل الرهط المفسدين، محولةً الميدان إلى حقل ألغام فكري لا ينجو منه خائن للوطن.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




