
إن قرار وزير المالية بجمركة الهواتف المحمولة يمثل خطوة شجاعة وتاريخية نحو فرض هيبة القانون، لكن نجاح هذه الخطوة يظل رهناً بقدرة الدولة على تجفيف منابع الفساد التي تبدأ من داخل المكاتب المكيفة قبل الشوارع. فبينما نبارك هذا التوجه الرقمي، نلفت الانتباه إلى ضرورة شمولية الإصلاح لتطال "حيتان البورصات" الذين يمررون آلاف السيارات غير المجمركة عبر "خدعة القبعة"، حيث توضع القبعة العسكرية على الزجاج الأمامي لإرهاب نقاط التفتيش وإيهامهم بالتبعية لجهة سيادية، بينما هي في الحقيقة سيارات مهربة لم تدفع أوقية واحدة.
إن العدالة الجمركية تقتضي أن لا نلاحق هاتفاً بسيطاً، بينما نغض الطرف عن أساطيل "السيارات التوائم" وظاهرة "الترويم" التي علمت المواطن الاحتيال؛ حيث تجد الأسرة الواحدة تمتلك 12 سيارة تسير جميعها برقم تسلسلي واحد مكرر في تحايل سافر على الدولة. والأدهى من ذلك هو ما يحدث داخل حظائر الجمارك، حيث يتم السطو على السيارات المحجوزة ليلاً، وطباعة أرقام هياكل مزورة عليها لتخرج في الصباح بهوية جديدة وقانونية مزيفة.
ويمتد هذا الأخطبوط ليشمل كارثة تزوير تواريخ ومواصفات السلع والبضائع الأساسية، والأخطر من ذلك ما يحدث في قطاع الصيدليات من تلاعب بأرقام وتواريخ الأدوية لشرعنة سموم مجهولة المصدر تهدد حياة المواطن. وكل ذلك يتم عبر منظومة فساد إداري تستخدم "الهواتف الفاخرة" والسيارات كـ "هدايا" ورشاوي لتمرير الحاويات الضخمة عبر الموانئ.
إننا نشد على يد الوزير لتنظيف الإدارة من هذا الفساد الممنهج، ونطالبه بتقنين شامل ينهي زمن "الحصانة الوهمية" للقبعات في تهريب السيارات، ويضرب بيد من حديد على رؤوس المفسدين داخل الإدارة قبل خارجها، ليكون الإصلاح حقيقياً يطبق على الجميع حمايةً للاقتصاد الوطني وصحة المواطن من هذا الاستنزاف المنظم.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




