
.نجح غزواني نجاحا باديا في أمرين حقق بهما أكثر مما حقق غيره : التهدئة السياسية وتآزر … بهاتين الركيزتين مرر غزواني ست سنوات، بعد سنوات من الاحتجاج الذي تنوعت أساليبه وتعددت عناوينه (ماني شاري كزوال، جبهة المعارضة، منتدى المعارضة الديمقراطية، لاتلمس جنسيتي، محال تغيير الدستور … الخ).. في المقابل، في عهد غزواني اختفت تلك التسميات ولم تولد حركات جديدة على مدى ست سنوات".
ليس هذا الكلام من عندي، بل هو للصحفي اللامع، الأخ الهيبة الشيخ سيداتي. وهو كلام صحيح، لا جدال فيه، لكننا اليوم، وقد نزل إلى الشارع مئات الشباب مندّدين بسياسة الضرائب، يحق لنا أن نتساءل: ما الذي يحدث؟
أحاول فيما يلي تحليل أسباب ونتائج الظواهر التي تحدث عنها الأخ الهيبه، وما هو سر نجاح الرئيس غزواني في إدارة دفّة الحكم، وكيف بدأت الحكومة الحالية ربما تميل عن نهجه.
* الكِياسة كاستراتيجية حكم: تحليل لحظة فارقة في السياسة الموريتانية.
عندما تولى فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أعلى منصب في البلاد 2019، ورث مشهدًا سياسيًا مختلًا بشدة. فبدلًا من فضاء تعددي سليم، كان المشهد السياسي أمامه يتسم بمعارضة منهكة وأغلبية حائرة. إزاء هذا الوضع، بادر إلى بلورة نهج رئاسي جديد تعبيرًا عن وعيٍ سياسي بطبيعة المرحلة ومتطلباتها؛ إذ أسّس لما يمكن توصيفه لاحقًا بـ«النهج الغزواني»، وهو مقاربة في الحكم تقوم على استراتيجية الاسترضاء، والاحتواء، والادارة "الناعمة" للعلاقات العامة، باختصار "صفر مشاكل" .. وبهذه الطريقة استطاع تعزيز صورة الاستقرار والاسترخاء، وخلق مناخ من التوافق السياسي والتآزر الاجتماعي. وقد ساعده في ذلك وجود معارضة منهكة وأغلبية حائرة..
* معارضة منهكة.
لعقود، عملت المعارضة الموريتانية في بيئة خانقة: قمع، وقيود، وتهميش مؤسسي، وصعوبات في الوصول إلى الموارد ووسائل الإعلام. يُضاف إلى ذلك المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي على الشخصيات التاريخية، التي وصل بعضها تدريجيًا إلى حدودها العمرية والسياسية. من منظور أكاديمي، يمكن الحديث عن ظاهرة "الإنهاك التنظيمي". لقد تضاءلت قدرة أحزاب المعارضة على التجديد الداخلي بسبب طول الإقصاء والحرمان من فرص الوصول. تآكلت قاعدتها الشعبية، وأصبح انتقال السلطة بين الأجيال نادرًا، وتحوّل الصراع إلى مجرد طقوس. في هذا السياق، لم يجد الرئيس أمامه قوة قادرة على فرض أي شيء أو حتى المطالبة بأي شيء، بل وجد كيانات مرهقة تسعى إلى الاعتراف الرمزي، والتهدئة، والاندماج في الإطار المؤسسي. فكان الاستقبال في القصر الرئاسي، ومظاهر المجاملة والاحترام، وتطبيع العلاقات كافية لتحويل موقف بعضهم من "المُغايرة" إلى "المسايرة".
* أغلبية حائرة
في الوقت نفسه، وجد الرئيس أمامه أغلبية رئاسية حائرة، هي نتاج فترة طويلة من التبعية والطًُفَيلية. اعتادت على مركزية السلطة التنفيذية، ولا تُشكّل كيانا مستقلًا للإنتاج العقائدي أو البرنامجي. دورها أقرب إلى المرافقة منه إلى الدعم والإسناد. وقد أثبتت التجربة - هنا وفي كل مكان - أنه عندما يعتمد الوصول إلى الموارد والمناصب على القرب من أعلى مستويات الحكومة، فإن الولاءات الشخصية تتقدم على المواقف السياسية. وتصبح الأغلبية حينها أداةً للترسيخ، لا فضاءً للتفكير والنقاش.
* نهج "الكيّاسة" في الحكم
بعد تجربة طويلة في إدارة الأمن الوطني، ورئاسة الأركان العامة للجيوش، ووزارة الدفاع (2005 - 2019)، يبدو أن الرئيس قد اختار استراتيجية "الانفراج العاقل". فبدلًا من القطيعة الجذرية، اتخذ نهجًا أكثر دقة: الكياسة والسلاسة، واحترام الخصوم، والاعتراف بالنواقص والمشاكل، والإيماءات الرمزية، ومد يد العون والمساعدة للجميع.. إلاّ من أبى.. ويمكن تحليل هذا الخيار كشكل من أشكال "الحكم عن طريق التهدئة". ففي المجتمعات التي تتسم بتوترات سياسية متكررة، يمكن أن يكون مجرد الحد من الصراع عامل استقرار قوي، فتصبح الكياسة حينها أداة سياسية بحد ذاتها.
* بين المأمورية 1 والمأمورية 2
أسس الرئيس غزواني نظام حكمه على المثل الحساني: "لكياسه تغلب اريَاسَة"، أي أنّ "الكِياسة تكون أحيانا أقوى من الرئاسة". وأعطى لهذا المعنى بعدًا عظيما، يعكس ذكاءً سياقيًا وأداء ناعما: تجنب المواجهات غير الضرورية، الرفق بالشعب الضعيف، وطمأنة النخب، وترسيخ الانفتاح، حيث تحل "النعومة" محل الإكراه، واللطف محل القسوة، والليونة محل الخشونة.
وفي هذا الصدد، يتساءل بعض المحللين عمّا إذا كانت الحكومة الحالية - وهي الأولى في المأمورية 2 تتحرك في إطار فلسفة الرئيس نفسها، أم وفق مقاربة جديدة لا تخلو من الفظاظة والغِلظة، بدل ما عُرف به النهج الغزواني من كياسة وأناقة. فعلى خلاف حكومات المأمورية 1، في عهد السيدين إسماعيل ولد الشيخ سيديَا ومحمد ولد بلال مسعود، تبدو الحكومة الحالية أكثر حرصًا على تأكيد حضورها وترسيخ صورتها لدى الرأي العام بوصفها حكومة “استثنائية” و“فعّالة” و“عصامية” و“جارفة". غير أن هذا السعي إلى إبراز الذات جاء - في نظر منتقدين - على حساب الهدوء والتدرّج، إذ اندفعت بلا هوادة في سلسلة من المبادرات سيّئة التخطيط، مثل القرارات الضريبية التي تثير الآن غضب الشارع. ويشير هؤلاء إلى أننا قد نكون أمام منعطف جديد ينتقل فيه المشهد من المستوى “الرمزي” إلى المستوى “السياسي”. ويتجلّى ذلك في تضخيم دور الوزير الأول عن حق أو عن غير حق، وتعزيز حضور وسائل الإعلام الخصوصية على حساب الإعلام الرسمي، فضلًا عن العناية بالأحلاف والأنصار والأتباع على حساب التشكيلات الحزبية المؤطرة قانونًا. وبذلك يبدو المشهد، في نظر البعض، وكأنه يشهد انتقالًا لافتًا: من إدارة كان يغلب عليها طابع السكينة والوقار، إلى ممارسة سياسية تتسم بقدر كبير من المراهقة والاندفاع




