صراع تامشكط… بين وهم الوعود ومرارة الواقع

ثلاثاء, 24/02/2026 - 20:56

ليس قريبًا أن نرى في تامشكط صراعًا حقيقيًا بين المنتخبين والشباب بقدر ما نرى صراعًا بين الحقيقة والوهم بين واقعٍ يئنّ تحت وطأة الإهمال وخطابٍ يُعاد إنتاجه كل خمس سنوات، يُباع فيه الأمل كما تُباع السلع وتُشترى فيه الأصوات كما تُشترى المواسم فالساكنة التي أُنهكت من تكرار الخيبات لم تعد تعرف من العملية الانتخابية سوى لحظة استدعائها ثم إعادتها إلى دائرة الانتظار الطويل

في تامشكط لا يكاد يوجد إنجازٌ ملموس يمكن تسويقه بفخر ولا مشروعٌ قائم يصلح أن يكون شاهدًا على تحولٍ حقيقي في حياة الناس لذلك لا ينبغي لنا أن نُجَمِّل الواقع أو نؤوِّله؛ فالواقع أبلج لا يحتاج إلى زخرفة خطاب ولا إلى تبريرٍ لغويٍّ يطمس قسوته. إن ما يخيّم على المشهد هو شعورٌ عام بالقهر والضياع وتيهٌ طويل جعل البؤس عنوانًا يوميًّا، والعطشَ بمعناه الحرفي والمعنوي سيدَ الموقف

من يسأل ساكنة المدينة ومن يطوف بأحيائها المتعبة ومن يتأمل وجوه المواطنين يدرك أن تامشكط تعيش عزلةً مركبة عزلةً عن التنمية وعزلةً عن الاهتمام وعزلةً عن الأمل ذاته لا يحتاج المرء إلى تقارير ولا إلى مؤتمرات ليرى ذلك يكفي أن ينظر في تفاصيل الحياة البسيطة ليدرك حجم الفجوة بين الوعود والواقع

ومع كل موسمٍ انتخابي تتكرر اللغة ذاتها وعودٌ بالإنجاز أحاديث عن التحضير، مشاريع على الورق اتصالات منشورات إعلانات ولقاءات إعلامية تُتقن فنَّ تسويق الممكن المتخيَّل لا الممكن المتحقق هناك من تخصّص في صناعة الوهم وتلميعه وفي عرض إنجازاتٍ مكتوبة لا وجود لها خارج الصفحات أما نحن أهل الواقع، فلا نُسوّق إلا ما تحقق، ولا نُثمن إلا ما تغيّر فعلاً في حياة الناس

لا ننكر أن هنا أو هناك بعض الجهود وأن بعض المنتخبين أو الشباب قد حققوا أعمالاً تُذكر لكنها تظل نقاطًا صغيرة في أرضٍ واسعة من المعاناة لا تغيّر من الصورة العامة شيئًا. فالمشكلة ليست في مبادرات فردية معزولة بل في غياب رؤية شاملة تُنقذ المقاطعة من التهميش المتراكم

تامشكط اليوم تعاني من وعودٍ لم تُنفذ وساكنةٍ اعتادت مضطرة أن تُثمن الوهم وشبابٍ يتصارعون من أجل شعارات لا تجد طريقها إلى التطبيق المنتخبون يُعيدون إنتاج الخطاب ذاته والمدونون يلوذ كثير منهم بالصمت ومن يتكلم يُتهم، أو يُراد له أن يصمت أو يُملى عليه ما يكتب. كأن الكلمة الحرة أصبحت عبئًا وكأن النقد الصادق خروجٌ عن الصف

لكننا لن نتوقف عن الكتابة ولن نلزم الصمت ما دام في الأرض متسعٌ للقول وما دام في الواقع ما يستدعي المواجهة فالكتابة عندنا ليست ترفًا بل نضالٌ مدنيٌّ من أجل المقاطعة ومن أجل حق أهلها في تنمية حقيقية، لا شعارات عابرة

ونحن، إذ نواصل هذا المسير نوجّه نداءً إلى كل شاب عصامي صنع نفسه بجهده وإلى كل من يعرف تاريخ تامشكط قبل جغرافيتها إلى من تشهد له تلالها وتضاريسها ورمالها الممتدة أن يضع مصلحة المقاطعة فوق كل اعتبار وأن يتجنب الانجرار إلى صراعاتٍ جانبية تُضعف الصوت ولا تخدم القضية إن المدون الحر والكلمة الصادقة والوعي الجمعي هي أدوات البناء الحقيقي لا أدوات الهدم أو التشتيت

إن صراع تامشكط الحقيقي ليس بين أشخاص، ولا بين أجيال بل بين نهجين نهجٍ يُجيد تسويق الوهم ونهجٍ يُصرّ على كشف الواقع والعمل على تغييره وبين هذين النهجين تبقى الكلمة مسؤولية ويبقى الصمت خيارًا لا يليق بمن يرى الألم ويسكت عنه

تامشكط لا تحتاج إلى اقتتال بل إلى صدق لا تحتاج إلى ضجيج بل إلى إنجاز. لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بل إلى عمل يُعيد إليها الأمل ويخرجها من دائرة النسيان إلى فضاء الفعل..

عن شباب تامشكط