انقشع ضباب العهد البائد عن "الحلة"، وتلاشت أصداء زيزع في قاع النسيان، لتنهض جمهورية إيراتون العظمى من البحر إلى النهر ككائنٍ حيّ لا يحده قيد، وتعلن توشكاون عاصمةً أبدية للحكمة والسيادة. في هذا الفصل من وادي المرايا، تترسخ المادة الصفرية؛ حيث يظل الكرسي شاغراً، شاهداً على هزيمة الأصنام، وقد أُنيطت بـ "المجلس الأعلى للشباب" مهمة الحفاظ على هذا الشغور، ليكون اللجنة الضامنة لعدم إعادة التدوير ولعدم إعادة السلطة للكرسي مرة أخرى، بينما يمتد سلطان الشينات ليطال كل ذرة رملٍ ونقطة ماء. لقد بُترت الأذرع التي استباحت حُرمة الأرض، وصارت تلك «الأوكار» التي ضمت أسرار النهب سجوناً سرمدية لمن خانوا أمانة التراب.
وفي ذروة المشهد، انبعث وقار «الشيوخ» من تحت رماد الإقصاء، ليعتلوا منصة الشورى بصفتهم حراس الحكمة وبوصلة الشؤون العظمى. السيادة هنا ليست هبة، بل هي استحقاقٌ نُقش بسواعد الشباب على صخور الجرانيت ومعادن الساحل، لتتحول خيرات الوطن الممتدة إلى صرحٍ من الكرامة لا يطاله عبث «الكرسي» ولا أطماع العابرين. لقد انتهى عهد المصفقين والمبيضين للكلام والغسالين الذين يعلقون على حبال الوهم.
إنه زمن الجدارة، حيث يصمت الهتاف ليتكلم المعدن، وتغيب الرموز ليبقى الشعب هو المتن والهامش؛ لتبنى بذلك جمهورية الجماهير، حيث استرد «الجيم» عِرقه ولبوسه الجديد، متحرراً من سلطة «الجيمات» السابقة ليعود ملكاً للجماهير، وبـ «الشينات الخمسة» تكتمل إرادة الشعب، والشيوخ، والشباب، والشورى، والشؤون العظمى، تحت خيمة حلة الوطن الكبرى التي تسع الجميع.
بقلم يحياوي محمد الأمين ولد يحيى



