من وجع الغربة عن الأوطان وهجر الأم تنبعث مدينة تينكي " عزير الصحراء" بالرغم من عاتيات الزمكان لم تتسنه ترابها ولم تبلوا معالها التراثية فقد نجاها الله بأديمها و تضاريسها وكأنها عقد من الميال الحر الذي تناثرت ودائعه في فلاة من الأرض السانحة العذراء في جيدها الصخري أرث علم و في تخوم بطنها مجد توارثه الأجداد والأجيال ، فهي الأم الصبورة التي لا تنكسر و الشمعة التي لا تذبل شمسها ضحي وليلها نهار وغروبها اصفار فاتح كالودق بلون الزعفران المزركش بالميال في عقيق الصحراء.
تينكي، تلك المدينة التي تهجع على كتف الرمل كما تهجع السعادة في قلب الأم الحنون، ليست مجرد بقعة على الخريطة، بل " عزيرُ الصحراء" تنفرد في صمتها، وتتكئ على نخلاتٍ باسقات لها طلع نضيد يعرفن الزهد والمقاومة كما يعرفن شمس الصيف القاسية.
تينكي ليست مدينة، بل امرأة بدوية بزينتها بخلاخلها و عزلها و كفاها وكوسها و بوخزامتها كانهم نياشين على رأسها و جدائلها تمشط الرياح، شعرها وتعطر ملامحها برائحة الطلح والقيصوم. جدرانها لا تُبنى بالطوب وححه ، بل بالشرف و العز و بالصبر والحلم والطين المقدس.
إذا عبرتَ إليها، تستقبلك الرمال كأنها بساط ملكي، وتغني لك الجبال الحانية قصائد من حجارة، ومواويل من الصدى. الأطفال هناك لا يلهون بالهواتف، بل يركضون خلف السراب كأنهم يطاردون المعنى في عالم بلا معنى.
زائر مدينة تينكي " عزير الصحراء"، كل شيء له صوت: الصمت بهدير الرياح، و التراب بلون الزعفران، وفي الغروب حين تنحني على الكثبان، وتهمس في آذان الصخور بلهجة الماضي وصور من ارمذات العماد.
تينكي ليست عزلة، بل تفرد، ليست فقراً، بل ثراء روحي ليست نسياناً، بل ذاكرة تصلي في محراب الصحراء. ومن يزورها، لا يخرج منها كما دخل، بل يخرج وفي قلبه حفنة رمل تغني، ونسمة حنين لا تسكت.
محمد ورزك محمود الرازكه الغائب امحمد شين
أستاذ فلسفة وعلم الاجتماع..




