الرئيس المناسب في الكرسي المناسب

أحد, 01/10/2023 - 19:08

يَفرض اقتراب موعد الانتخابات للسلطات المحلية العربية في الواحد والثلاثين من تشرين الأول القريب العديد من الأسئلة للكثيرين من الأهالي خاصة ممن تهمهم مصلحة بلداتهم.

كواحِد من أهالي بلدة يافة الناصرة تهمني أمورها ويقلقني من سيتسلم السلطة خلال الأعوام الخمسة القادمة ويعنيني أن تتوفر في الرئيس القادم بعض الصفات التي سبق واتصف بها، للحق بعض الرؤساء السابقين وأذكُر مِنهُم الرئيس الأخير الذي أحب بلدته فبادلته المحبة وهُنِئت به بالضبط كما هُنئ بها.

من الصفات المميزة للرئيس المُقبل أُود أن أُشير إلى عدة أُمور لعلها تُشكل إشعاعًا ونبراسًا يُسترشد به أبناء بلدتي من أجل رفعة البلدة، تطورها وتقدمها، ليطيب العيش فيها.

أعتقد أن الصفة الأساسية التي يجب أن يتحلى بها الرئيس القادم للسلطة المحلية في بلدتي يافة الناصرة هي أن يكون أولًا صفة احترام الذات وصاحب رأي ورؤية، وهذا يعني أن يكون صاحب رأي مُستقل يأخذ بنظر الاعتبار كل ما يستمع إليه من آراء ويقرر بعد ذلك دون أي ضغط من هذا الطرف أو تلك المجموعة، كما يعني أن تكون البلدة تقدمها ورفعتها في أعلى سلم أولوياته، بمعنى أن يعمل على راحة الأهالي في شتى المجالات ابتداء من اليومية البسيطة والروتينية انتهاء بالعمل على توسيع الخارطة الهكيلية للبلدة مرورًا بتطوير البُنية التحتية والعمل على رفع مستوى العطاء التربوي فيها سواء كان من ناحية المباني المناسبة أو من ناحية تطوير الأداء التربوي وايلائه ما يستحقه ويستوجبه من عناية واهتمام.

 

كما أرى أنه يجب بالرئيس القادم الذي يضع الأهالي ثقتهم به أن يكون ذا اهتمام خاص بالبلدة والاطلاع على أحوالها عن قُرب فيبادر مثلًا للتجول فيها ومعاينة أحوالها لسير أغوار ما تحتاج إليه وتقديمه بالتالي على طبق من عطاء للأهالي الراغبين بالعيش السعيد في بلدتهم، والنفس الهادئة المطمئنة.

 

كما أتوقع من هذا الرئيس أن يبتدئ يومه العملي في الساعات الباكرة ليتوجه بعدها إلى مكتبه وقد اتضح له ما يطلب منه أن يفعله ويقدمه في ذلك اليوم.

 

إلى هذا يهمني أن يكون الرئيس القادم الذي يستحق أن ينتخبه الأهالي بشكل ديمقراطي واحدًا منهم، فلا يتعالى عليهم ولا يُغلِق على نفسه باب مكتبه بل يشرعه على أوسع مصراعيه ليستقبل الأهالي ممن يرجون خيرًا فيتداول معهم في الرأي المناسب وهو ما يُقرب بينهم وبينه، فلا يشعرون بالغربة في بلدتهم وإنما يشعرون أنهم يعيشون في مرابعهم وبين أهلهم، والرئيس واحد من هؤلاء الأهل، هذا يعني بالطبع أن يكون إنسانًا مُتواضعًا يهمه أمر بلدته وأهلها ويعتبر نفسه منهم وإليهم وأن يكون ذو معرفة وتجربة وصاحب الخبرة المتطورة والقيادة الحكيمة والمُخلِص مع الجميع وعلى دراية تامة بما يدور حوله في العمل الإداري والقيادي، فيسعى إلى تحصيل الميزانيات المطلوبة من أجل التقدم والتطور ودفع عربة البلدة إلى الأمام، صحيح أن العمل في رئاسة السلطة يتصف بأنه عمل رقمي/ دجتالي، وأن هناك من يقترح ويناقش لا سيما في الجلسات الخاصة والعامة أيضًا، وهذا يعني أن الرئيس، كل رئيس، لا يمكنه أن يتخذ قراراته بصورة منفردة، غير أن المجرب الشجاع السائر في طريق الحق من أجل تقدم بلدته رفعتها وتطورها وإنجاز ما هو مرتبط به وما مطلوب منه.

لقد تعاقب على رئاسة السلطات المحلية في مجتمعنا العربي منذ فترة الانتخابات الأولى، وبلدتنا يافة الناصرة مثلها في ذلك مثل بقية البلدات والمدن المنتشرة في طول مجتمعنا العربي وعرضه، العديد العديد من الرؤساء، وأعتقد أن جمهورنا العربي بات واعيًا إلى مصالحه في التقدم والازدهار، لهذا أرى أنه من مصلحة هذا الجمهور أن يُفكر قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع في اليوم الأخير من الشهر القادم وأن يأخذ أمر الرئيس المُنتخب القادم في منتهى الجدية، فلا ينتخب إلا من يرى فيه الأهلية والجدارة زائد الخبرة والمعرفة والذي يقود مجتمع بلده نحو المستقبل ويتمتع بنظرة مستقبلية واضحة ويشكل قدوه لمواطنيه يُحتذى بها، ولنا في رئيس السلطة المحلية الحالي في بلدتنا يافة الناصرة خير نموذج وأطيب مثال.

النزعة العائلية ... موعد مُتجدّد مع الهزيمة والتخلف

د. سامي ميعاري

نُشر: 29/09/23 17:31

العائلية نمط مسيطر على الأمة العربية بأكملها منذ زوال الدولة الإسلامية في مطلع القرن الماضي وحتى يومنا هذا، وهي نهج حاضر بكل تفاصيله في مجتمعنا العربي الفلسطيني الذي لم يكن بمنأى عن هذا الشكل المقيت من الفكر، والأصعب في هذا المضمار أن هذه العائلية مسيطرة ومُطبِقة على قطاع عريض من المثقفين والكُتّاب الذين يفترض بأنهم أوعى الناس بمآلاتها ومخاطرها الجمة وانعكاساتها على العقل ومخالفتها للشرائع السماوية التي ساوت بين الناس في الكرامة الإنسانية وقصرت الأفضلية على الأكثر تقوى لله.

 

حيث قال النبي الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم - : " لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى".

 

فيما كانت النبرة أحدّ وأمضى في تحذيره – عليه الصلاة والسلام – من هذه النزعة القبلية حينما قال: " دعوها فإنها مُنتنة".

 

ومع أن الشرائع السماوية مُجمِعة على نبذ هذه القبلية المقيتة باعتبارها شكلاً ونتاجاً من الجاهلية، غير أنها ما زالت الآمر الناهي، والملهم الموجه، والمؤثر الأقوى في التحولات والأحداث والتغيرات التي تحكم مجتمعنا يدعم ذلك ويسانده مشروع مُضلّل وخدّاع يقوم عليه البعض من أجل الاعتياش على فُتات العائلية التي كانت السبب الأكبر في ضياع البلاد والعباد، حيث قسّمت العائلية أبناء الشعب الواحد وحولتهم شيعاً وفئات وقبائل متناحرة على السلطة والقيادة فيما أخذ المستعمر وقته الكافي لتنفيذ مشروعاته التي ضيعت البلاد والعباد.

 

ومما لا يختلف عليه عاقلان أن لهذه النزعة القبلية تداعيات على الصعد كافة: السياسية والاجتماعية والثقافية وكذلك لا ينجو منها البعد الاقتصادي.

 

فعلى الصعيد السياسي تنتج هذه العائلية ما يسمى ( سيادة العائلة) فإذا كانت العائلة هي السيد فمن هو المسود؟ بلا شك أنه الوطن بكل مكوناته يصبح مرتهنا بيد الجاهلين الذي يقدمون انتماءاتهم الضيقة على مصلحة الوطن، وهذا ما حدث خلال حقبة الانتداب البريطاني.. فقد فتتت العائلية في ذلك الحين لُحمة الشعب الفلسطيني، وتصارعت العائلات الكبيرة على القيادة وقدمت مصالحها الإقطاعية على مصلحة الوطن.

 

وبنظرة سريعة على واقع الحال العربي في الوطن العربي كله ماذا نلاحظ؟

 

نلاحظ بأن العالم العربي تحكمه قلة قليلة من العائلات والقبائل وهذا النمط من الحكم السياسي حتما يكون على حساب الديموقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية، وحتى الدول العربية التي جربت هامشاً من الممارسات الديموقراطية كانت تلك الممارسات تستند إلى مرجعية عائلية، وأُسس عائلية بفعل الرأسمالية العائلية التراكمية التي احتلت العقول والأذهان، فتجد في تلك الدول انتخابات برلمانية تعددية بينما الرئاسة خارج سياق السباق الديموقراطي وإرادة الشعب.  فبعض تلك الدويلات يحكمها شبان فتية صغار بلا تجارب ولا قدرات سوى ميزة الانحدار من سلالة عائلة تتوارث الحكم أباً عن جد...

 

ولهذا فهي دويلات في ذيل الحضارة الإنسانية تشبه المزرعة التي يملكها ويحكمها إقطاعي فيما يرزح شعبه في حياة العبيد بثوب جديد....

 

ففي ظل السيادة العائلية لا توجد دولة ذات قانون يحترم الحريات وحقوق الإنسان وكرامته، بل قانون السيد والعبد، والمتأمل في النظم السياسية داخل المجتمع العربي يجد أن المضمون واحد وإن اختلف الشكل، فانتقالاً من آليات تعيين الزعيم والمختار والشيخ من قبل السلطات الحاكمة عندنا وصولاً إلى آليات اختيار وانتخاب الرئيس أو الزعيم المحلي، نجد بأننا جزء من هذه المنظومة المتهالكة التي أكل الدهر علها وشرب.

 

ولهذه النظم في ذاكرتنا مساحة سوداء لا تنمحي مهما طال الزمن ومهما تغيرت الأشكال والألوان، لما لهذه العائلية من دور بشع في مشروع التهجير القسري الذي تعرضت له بلادنا منذ النكبة 1948 كما يعترف بذلك اليهودي ( إيلان بابي) في كتابه ( التطهير العرقي في إسرائيل) حيث يقر بأن إسرائيل قامت بالتهجير القسري لأكثر من 400 قرية عربية فلسطينية مستعينة بعائلات كبرى من المجتمع العربي.

 

وهذا ليس غريباً، لأن لهذه العائلات نفوذا ومصالح تخشى عليها في حالات التغير، بينما الآخرون يفكرون في الأرض والإنسان.

 

وفي هذه السيادة العائلية الوهمية الورقية، يجري انتخاب رئيس سلطة محلية لم يكمل الدراسة الابتدائية ولا يفك الحروف الهجائية – كما يُقال – فيحكم ويدير ويقرر شؤون بلد يسكنه مئات آلاف المواطنين، فيما تجد أحزاباً تدعي القومية العربية والمواطنة، لكنها تختار مرشحيها على أُسس من هذا القبيل على الرغم من كون بعض مرشحيهم غارقين في سجل مساوئ وفساد؟؟؟!!!!

 

هكذا ورثوا عن زعيمة الاستعمار بريطانيا سياسة ( فرّق تسُد) مستوحين ذلك النهج القبيح من لورنس العرب الذي قسّم بلادنا إلى محميات ودويلات تحكمها عائلات...

 

وعلى الصعيد الثقافي تصنع العائلية هوية زائفة بدلا من الهوية الوطنية القوية بعراقتها وأصالتها، وقد سيطرت على جميع وسائل الإعلام الحديثة، واشترت أشباه المثقفين، مقابل ثمن بخس دراهم معدودة، فيقوم هؤلاء المزعومون بنفث سمهم عبر الأثير إلى مجتمعنا.

 

إننا لا نرى أي تفسير في العالم وعبر الحضارات القديمة والحديثة يجمع بين نظام ديكتاتوري مهترئ متخلف، وبين مفكر ( وهم كثر)، يُنظّر لأفكار سياسية ليبرالية، فكيف يلتقيان وعلى ماذا يلتقيان وما القاسم المشترك بينهما؟

 

وهؤلاء المفكرون ( مجازاً) يذكرونني بالزجال الذي يمدح أي شخص أو جهة أو عائلة تدفع له مالاً نفاقا ودجلاً، فالذين يكتبون في كنف هذه الأنظمة فاقدون للشرعية، يقبعون تحت سقف تقافة عائلية تستند لنفوذ المال والسلطة القبلية لصنع مناضلين!!! فمن يجمع شتات هذه المتناقضات؟؟؟