عودة بيرام إلى السنغال: تصدع في رواية السفير السابق أم إعادة تموضع لنواكشوط؟

أحد, 07/06/2026 - 16:06

يشير حضور وفد رسمي من حزب الإنصاف إلى مؤتمر حزب "باستيف" في داكار، بالتوازي مع عودة بيرام الداه اعبيد إلى الواجهة السياسية السنغالية بدعوة من نفس الحزب، إلى لحظة مفصلية في تداخل المسارات الحزبية والديبلوماسية بين نواكشوط وداكار، تحمل في طياتها أسئلة جدية حول اتجاه العلاقات، وحدود نفوذ الدبلوماسية الموريتانية في الجوار القريب.

فما بين خطاب هاوا جالو حول "أحزاب قوية ومتجذّرة" وعودة خصم سياسي ثقيل مثل بيرام إلى الساحة السنغالية، يبدو أن المشهد لم يعد قابلاً للقراءة حصراً بمنطق المجاملات الحزبية، بل بمنطق إعادة ترتيب التوازنات داخل المثلث: النظام الموريتاني – المعارضة الجذرية – الشريك السنغالي.

في داكار، قدمت هاوا جالو، نائبة رئيس حزب الإنصاف، رؤية رسمية تعتبر التحديات المشتركة بين موريتانيا والسنغال – من ضغط الشباب، إلى الإدماج الاقتصادي، إلى السلم الاجتماعي – مدخلاً لبناء شراكة حزبية عابرة للحدود، قوامها تبادل الخبرات وتجذير الديمقراطية عبر أحزاب "قوية وذات مصداقية ومتجذرة بعمق في مجتمعاتها".

هذا الخطاب، الذي ينسجم مع سردية الحزب الحاكم عن مرافقة "الرؤية التنموية" للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وترسيخ الاستقرار والوحدة الوطنية، جرى تقديمه في مؤتمر لحزب معارض سنغالي لا يخفي قربه من الحركات الاحتجاجية الشبابية، ما يمنح الزيارة بُعداً يتجاوز المجاملة البروتوكولية إلى محاولة تموضع داخل شبكة قوى جديدة في السنغال ما بعد صعود عثمان صونكو. في المقابل، كان المشهد على الضفة الأخرى يتشكل بصورة موازية: بيرام الداه اعبيدي، رئيس ائتلاف "قطب التناوب 2029، يصل إلى داكار على رأس وفد من قيادات حركته "إيرا" وائتلافه، بدعوة من حزب "باستيف"، ويُستقبل من طرف رئيس الحزب ورئيس الوزراء السابق عثمان صونكو في مراسم رسمية موثقة.

هذه العودة تأتي بعد أقل من عام على خطوة غير مسبوقة حين استدعى وزير الداخلية السنغالي بيرام، وأبلغه رسمياً بقرار وقف نشاطه السياسي على الأراضي السنغالية، استجابة لشكوى موريتانية رسمية نقلها السفير الموريتاني في داكار انذاك محمد عالي ولد سيدي محمد خلال لقائه بصونكو – في لحظة كانت نواكشوط تروّج فيها داخلياً لفكرة أنها نجحت في "إخراج" بيرام من الساحة السنغالية عبر قنوات ديبلوماسية ضاغطة.

من هذه الزاوية، لا تبدو عودة بيرام إلى داكار مجرد "زيارة سياسية" عادية، بل تشكل نقضاً ضمنياً للسردية التي تمّ تسويقها عن طرده النهائي من السنغال، وهي سردية رُبطت – في الخطاب الداخلي – بكفاءة السفير السابق في داكار وبقدرة الدبلوماسية الموريتانية على ضبط الفضاء السياسي المجاور. فإذا كان وزير الداخلية السنغالي قد أبلغه آنذاك بأن نشاطه السياسي "أحرج النظام الموريتاني" وأن السلطات في نواكشوط لم تعد تقبل استمرار تلك الأنشطة داخل السنغال، فإن دعوته اليوم من نفس الفضاء السياسي (باستيف / صونكو) واستقباله كزعيم معارض وشريك سياسي، تعني عملياً أن تلك القيود لم تعد قائمة أو لم تعد قابلة للتطبيق بالكيفية التي أرادتها نواكشوط.

هذا التحول يطرح سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام بداية إعادة هندسة للعلاقات السياسية – وليس فقط الرسمية – بين نواكشوط وداكار، تقبل فيها موريتانيا – ضمنياً – بعودة أحد أبرز معارضيها إلى الاستثمار في الساحة السنغالية، مقابل توثيق العلاقة بالحزب الحاكم الجديد هناك؟ أم أن الأمر يعكس قصوراً في المتابعة الدبلوماسية الموريتانية، سمح بأن تتحول ورقة كانت تُقدَّم داخلياً كإنجاز إلى مؤشر على محدودية النفوذ؟ في السيناريو الأول، يكون حضور وفد الإنصاف برئاسة هاوا جالو، متزامناً مع حضور بيرام، تعبيراً عن قبول غير معلن بتعدد قنوات التأثير الموريتاني في السنغال: قناة رسمية – حزبية عبر الحزب الحاكم، وقناة معارضة عبر تحالفات مع باستيف وحركاته المتفرعة، بما في ذلك ربط الجسور مع المعارضة الراديكالية الموريتانية.

لكن في السيناريو الثاني، يمكن قراءة المشهد كارتباك ديبلوماسي: فالنظام الذي سمح بأن تُروى – على لسان مسؤولين ودبلوماسيين – قصة "طرد نهائي بلا رجعة" لبيرام من السنغال، يجد نفسه اليوم أمام واقع معاكس موثق بالصوت والصورة، فيما يواصل الحزب الحاكم الحديث عن علاقات صداقة وتعاون مع نفس الشركاء السنغاليين الذين قرروا إعادة فتح الباب أمام خصمه الأبرز. في هذا الإطار، تبدو "هيبة" أدوات الضغط الدبلوماسي موضع اختبار، خاصة أن الرسالة الأولى لوزارة الداخلية السنغالية لبيرام بوقف نشاطه السياسي جاءت في سياق واضح: تلبية لانزعاج رسمي موريتاني، وليس استجابة لمعادلات داخلية سنغالية صرف.

من زاوية قراءة المشهد السنغالي الداخلي، لا يمكن فصل هذه العودة عن التحول في موازين القوة بعد صعود صونكو وتيار "باستيف" إلى مركز السلطة التنفيذية والبرلمانية، واستثمارهم في شبكة من الحلفاء الإقليميين يندرج بيرام ضمنها، باعتباره صوتاً رمزياً لقضايا الحريات والعدالة الاجتماعية في موريتانيا. فدعوة بيرام للمشاركة في مؤتمر "باستيف" ليست مجاملة شخصية بقدر ما هي رسالة مزدوجة: أولاً إلى الداخل السنغالي بأن الحزب الحاكم يقف في صف الحركات التحررية والحقوقية داخل الفضاء الإقليمي، وثانياً إلى نواكشوط بأن هامش التأثير الموريتاني في ضبط المعارضة العابرة للحدود لم يعد كما كان، وأن للسنغال أولويات سياسية خاصة بها في بناء شبكات تحالف جديدة. في المقابل، لا يمكن التهوين من أهمية حضور حزب الإنصاف في هذا المؤتمر ذاته؛ فالحزب الحاكم في موريتانيا، الذي يحرص على عرض نفسه كركيزة للاستقرار الداخلي، يختار أن يكون حاضراً في فضاء يضم في نفس اللحظة أحد أهم رموز المعارضة الراديكالية في البلاد. هذا التزامن يحمل بعدين متناقضين ظاهرياً: فهو يتيح للإنصاف أن يقدم نفسه كشريك منفتح على الحوار مع كل الطيف السياسي الإفريقي، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام اختبار صورة: كيف يمكن لحزب يفاخر بقدرته على "تحييد" معارضيه خارج الحدود أن يتقاسم المنصة السياسية نفسها معهم في بلد مجاور، دون أن يعيد النظر في خطابه الداخلي؟

في مستوى أعمق، تعكس هذه اللحظة هشاشة الحدود بين الدبلوماسي والسياسي في علاقات موريتانيا والسنغال؛ إذ يتحرك الفاعلون بين عواصم متجاورة تتقاطع فيها ملفات الأمن والحدود والموارد المشتركة (الغاز، الصيد، الهجرة)، مع طيف واسع من القوى السياسية التي ترى في "التضامن العابر للحدود" أداة لإعادة تعريف موازين القوى الداخلية. وبينما تحاول نواكشوط تثبيت صورة "الاستقرار المؤسسي" و "الوحدة الوطنية" و "الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية" كما عرضتها هاوا جالو في داكار، يستثمر خصومها – داخلياً وخارجياً – في خطاب بديل يرى في هذا الاستقرار ذاته نوعاً من "إدارة التوتر" أكثر من كونه تجاوزاً جذرياً للعوامل العميقة التي تغذي الاحتجاج والمعارضة.

عودة بيرام إلى الساحة السنغالية، على رأس وفد وضمن مراسم استقبال رسمية، تُسقط عملياً مقولة "الطرد بلا رجعة" التي نُسبت للسفير السابق في داكار، وتحوّل تلك المقولة إلى عبء رمزي على الدبلوماسية الموريتانية بدلاً من أن تبقى بطاقة تفاخر داخلية. فإذا كان هذا الخطاب قد ساهم في منح صاحبه موقعا إقليمياً ضمن هندسة التعيينات، فإن التطورات الحالية تعني أن "الإنجاز" المعلن لم يعد قائماً، وأن الفضاء السنغالي بات مفتوحاً مجدداً أمام واحد من أكثر الفاعلين الموريتانيين إثارة للجدل، بما يحمله ذلك من إمكانات التصعيد أو التهدئة تبعاً للكيفية التي سيتعامل بها النظام في نواكشوط مع هذا الواقع الجديد، اذا حضور بيرام ضمن وفد رسمي إلى السنغال، بالتزامن مع مشاركة وفد الإنصاف في مؤتمر "باستيف"، لا يمثل مجرد صدفة زمنية، بل هو تعبير عن لحظة إعادة توزيع للأوراق: السنغال تعيد تعريف علاقتها بالفاعلين الموريتانيين على قاعدة توازن بين اعتبارات السيادة الداخلية وشبكات التضامن السياسي، وموريتانيا تجد نفسها مطالبة بترسيم حدود جديدة بين ما هو "ضغط ديبلوماسي" مشروع وما هو رهان مفرط على قدرة الجوار على لعب دور "الحاجز" أمام معارضيها. وبين احتمال أن تتحول هذه اللحظة إلى بداية لعلاقات أكثر نضجاً، تقوم على الاعتراف بتعدد الفاعلين الموريتانيين في السنغال، واحتمال أن تُقرأ كعلامة على ضعف المتابعة الدبلوماسية من نواكشوط، سيبقى معيار الحكم الحقيقي هو القدرة على إدارة هذا التعايش الجديد بين القنوات الرسمية والمعارضة العابرة للحدود بأقل كلفة على استقرار الضفتين.

Sultan Elban سلطان البان

07-06-2026

LÔNDON -CCCU