
ما إن سقط "قصر الصُّور العظيم" في طاش كاون تحت وطأة الغضب الصامت، حتى شُيّد مكانه "قصر البازار"، في محاولة بائسة لفك ذلك الصمت بدعوةٍ زائفة للتشاور. خلف جدران هذا البازار، وفي ثماني عشرة دقيقة فقط، حُسم كل شيء؛ حيث جمع رئيس البازار (كبير التجار) بـ "الموردين" الخمسين لإعطاء إشارة البدء لشحن البضاعة البائرة إلى أزقة إيراتون.
خرج الموردون يهرولون، مدفوعين بأموال "حيتان الفساد"، يحملون صكوكاً بـ "طوابع جبائية مُزوّرة" لإخفاء حقيقة أن "الموسم" قد انتهى، وأن الجالس على العرش يصارع في "الرمق الأخير". وفي تلك الأروقة التي استُنسخت منها "سوق النخاسة" السياسي، حيث يُعرض كل شيء للبيع في مزاد علني داخل "البورصة الديموغرافية" التي تُقامر بالأعداد والولاءات، وقف أحدهم يصرخ بهستيريا ملوحاً ببضاعته المتهالكة: "التاب تاب.. الحزب رقم 15!"، ثم يقلب الكلمة في صراخه ليرددها معكوسة، فلا يجدها في مرايا الوادي إلا هي نفسها؛ حلقة مفرغة من العبث لا تتغير مهما استدارت. نداءٌ يحمل في طياته مرارة الحساب وسنين السجن التي طاردت من قبله.
لكن الصدمة كانت في رد الفعل؛ فلم تعد الحيلة تنطلي على أحد، فوقف الناس بوجوهٍ مكشوفة وشعارهم: "بضاعتكم رُدّت إليكم".
وفي "قصر البازار"، يصرُّ كبير التجار على البقاء، مُطلقاً عملية "إعادة تدوير" يائسة لحزب جديد، ظناً منه أن تغيير الوجوه سيعيد الحياة لتجارةٍ لفظها السوق. وبينما يبحث عن عبورٍ سلس يظهره كبطل، يجد نفسه محاصراً بمشاريع عملاقة معلقة؛ خيوطها مشتبكة بين مانحي الخارج ووسطاء الداخل، ليبقى رهين بنايات بلا سقوف وطرقات مسدودة.
وتكتمل المأساة في أن هذا البازار لم يعد مغرياً لأحد؛ فالحتمية تقول إن أي طامح سيتراجع ألف خطوة قبل أن يقبل خلافة رئيسه، خوفاً من الانحباس في شرك الوعود المبتورة، ومن الوقوع في فخ "التشباك" السياسي الذي لن يروق لأي عاقل أن يرثه أو يحمل أوزار ديونه الوهمية التي تبتلع كل شيء.
بقلم: محمد الأمين ولد يحيى يحياوي




